10/02/2024 - 22:11

حوار | انفلات المستوطنين ومخطط تهجير مناطق "ج" تحت دخان الحرب

في قضية إطلاق إلنار وامتلاك واستعمال السلاح من قبل المستوطنين تشير تقديراتنا أنه جرى تسليم 16 ألف قطعة سلاح للمستوطنين بعد السابع من أكتوبر، وهو رقم كبير جدا يفسر، ربما، سقوط 11 شهيدا فلسطينيا برصاص المستوطنين

حوار | انفلات المستوطنين ومخطط تهجير مناطق

مستوطن مسلح برفقة جندي إسرائيلي في الضفة الغربية (Getty images)

تفيد معطيات منظمة "بتسيلم" بأن إسرائيل صادرت منذ احتلالها للضفة الغربية عام 1967 مليوني دونم من الأراضي، واستخدمتها لغرض بناء المستوطنات وتوسيعها وشق الشوارع والطرق التي تخدمها.

تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"

وتشير المنظمة إلى أنه جرى السيطرة على بعض تلك الأراضي بطرق رسمية، فيما سيطر المستوطنون على الجزء الآخر بواسطة العنف الذي يمارسونه بشكل يومي، حيث يبدو للوهلة الأولى أن الحديث يجري عن مسارين غير مرتبطين ولكن في الواقع هما مسار واحد، إذ أن عنف المستوطنين هو عنف دولة ويتم بدعمها الكامل ومشاركة ممثليها كإستراتيجية لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي الذي يسعى إلى استكمال عمليات السيطرة على الأراضي الفلسطينية، على حد قول المنظمة.

وعن تصعيد سياسة السيطرة على الأرض تحت دخان الحرب على غزة يقول مدير مجموعة مراقبة الاستيطان "كيرم نافوت"، درور إتكس، إن المستوطنين يستخدمون غطاء الحرب "لمحاولة إعادة رسم الخريطة الديموغرافية للضفة الغربية"، مشيرا إلى أن "الفكرة هي طرد الفلسطينيين مما يعرف بالمنطقة (ج)، وهي المناطق النائية الريفية في الأراضي المحتلة، وحصرهم في جيوب المنطقة التي تشمل المراكز الحضرية".

وفي السياق تورد تقارير "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان"، إن اعتداءات الاحتلال وميليشيات المستوطنين قد وصلت إلى مستويات قياسية منذ الحرب على غزة، بالنظر إلى عددها وطبيعتها التي تستهدف الوجود الفلسطيني في كل مكان من الأرض الفلسطينية، حيث أصبح المواطن الفلسطيني مستهدفا إما من قبل إجراءات الاحتلال الرسمية أو من قبل إرهاب الدولة المنظم الذي تكفلت به عصابات المستوطنين المسلحة.

وتتراوح الاعتداءات ما بين إسقاط شهداء وإيقاع إصابات جسدية سواء بالاعتداء بالرصاص الحي والغاز والإرهاب، والاقتحامات وتخريب وسرقة ومصادرة الممتلكات، وتجريف الأراضي واقتلاع الأشجار. وتفيد الهيئة بأن دولة الاحتلال تستغل انشغال العالم بحرب الإبادة التي تخوضها ضد شعبنا الفلسطيني في غزة لتنفيذ مخططات لا تقل خطورة في الضفة الغربية من خلال التهجير القسري وإعدام المدنيين في وضح النهار وفرض منظومة الأبارتهايد.

وكان الرئيس الأميركي، جو بايدن، قد أعلن عن فرض عقوبات على أربعة مستوطنين شاركوا في أعمال عنف ضد فلسطينيين، تشمل تجميد ممتلكاتهم ومنعهم من الدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي اعتبر تطورا في الموقف الأميركي الذي لطالما امتنع عن اتخاذ إجراءات عملية ضد إسرائيل أو أي من مواطنيها.

وبهذا الصدد، حاور "عرب 48" مدير التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود، لإلقاء الضوء حول هذا الموضوع.

أمير داوود

"عرب 48": انفلات المستوطنين الذي يحظى بغطاء كامل من جيش الاحتلال خلال الحرب على غزة بدا سافرا حتى أن الإدارة الأميركية، ربما الأكثر تأييدا لإسرائيل لم تستطع هضمه واضطرت إلى اتخاذ خطوة عقابية غير مسبوقة أميركيا ضد إسرائيل، تمثلت بفرض عقوبات على أربعة مستوطنين؟

داوود: كما هو معروف أنه بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر تم تسجيل أرقام غير مسبوقة في اعتداءات المستوطنين، إلا أن الموضوع لم ينحصر في البعد الإحصائي والعددي فقط، بل سجل منعطفات خطيرة وعناوين جديدة ظهرت بوضوح أهمها موضوع التهجير القسري، إذ جرى منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر تهجير 22 تجمعا بدويا تحت طائلة تهديد المستوطنين واعتداءاتهم.

"عرب 48": تقصد تجمعات كائنة في منطقة الأغوار وجبل الخليل؟

داوود: صحيح، هي منطقة السفوح الشرقية الممتدة من الأغوار الشمالية وحتى جبال الخليل جنوب محافظة الخليل وتحديدا منطقة "مسافر يطا"، وكان الاحتلال قد قام خلال السنوات الماضية بتركيز مجموعة كبيرة من "بؤر الاستيطان الرعوي" في هذه المناطق، يسكنها مستوطنون متطرفون هم الذين نفذوا الاعتداءات على التجمعات الفلسطينية وإجبارها على الرحيل.

"عرب 48": كما نعرف فإن انتهاكات واعتداءات المستوطنين بدأت قبل السابع من أكتوبر وتصاعدت مستفيدة من الأجواء والإمكانات التي وفرتها لهم الحرب؟

داوود: صحيح، في قضية إطلاق إلنار وامتلاك واستخدام السلاح من قبل المستوطنين تشير تقديراتنا إلى أنه جرى تسليم 16 ألف قطعة سلاح للمستوطنين بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وهو رقم كبير جدا يفسر ربما استشهاد 11 فلسطينيا برصاص المستوطنين منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر.

هذا العدد من الشهداء برصاص المستوطنين في فترة زمنية قصيرة، وإن كان نتاجا لسياسة توزيع السلاح وتعميمه، فإنه يشير أيضا إلى التسهيلات الممنوحة في تعليمات إطلاق النار وانتقال المستوطنين إلى أخذ زمام المبادرة في تنفيذ الاعتداءات وفي إطلاق النار بما يعنيه من تحويل صلاحيات لهم للقيام بذلك.

المستوطنون تأطروا في إطار الحرب وفي إطار إعلانات الطوارئ الأمر الذي يعفيهم من المساءلة والمحاسبة، إذ تستروا بهذه العناوين التي تدعي أنهم مهددون وهناك تخوف من أن يتعرضوا إلى ما تعرضت له مستوطنات "غلاف غزة" وغير ذلك من الادعاءات الكاذبة التي نفذوا جرائمهم تحت غطائها.

عنوان آخر ظهر بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر هو بروز "مجلس المستوطنات" الذي بدأ يفرض غرامات باهظة على المزارعين والرعاة، علما أنه جهاز مرتبط بالمستوطنين وليس بالحكم العسكري والإدارة المدنية، وهذه الغرامات تصل إلى 150 ألف شيكل تفرض على الفلسطيني لمجرد دخول ماشيته إلى منطقة تعتبر منطقة مغلقة أو منطقة تدريب عسكرية أو محاذية لمستوطنة.

ويتم إجبار المزارعين والرعاة على دفع هذه الغرامات الباهظة لمجلس المستوطنات، الأمر الذي يثقل كاهلهم ليضاف عامل آخر إلى سلسلة العوامل التي يخلقها الاحتلال والمستوطنين وتندرج تحت أسفل غطاء التضييق والردع والتهجير.

"عرب 48": نفهم وجود "منطقة عسكرية" أو "منطقة مغلقة"؛ ولكن ما شأن "منطقة محاذية لمستوطنة" بالموضوع؟

داوود: المناطق المحاذية للمستوطنات هي ما وصفها سموتريتش بـ"المناطق العازلة" أو "المناطق الآمنة"، وقد تبين لنا في تقاريرنا الميدانية الأخيرة أن دولة الاحتلال بدأت فعلا بتطبيق هذه المناطق، إذ واجهنا أمرين عسكريين في الفترة القريبة الماضية، الأول في "بيت إستيا" وهو يستهدف أراضي المزارعين المحيطة بمستوطنة "ربابا".

وهذا الأمر إذا ما نظرت إلى الخارطة العسكرية المرفقة به تدرك أنه تطبيق فعلي للمناطق العازلة التي تهدف إلى خلق شريط حول المستوطنة يمنع الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي التي تقع في نطاقه، والحديث في "بيت إستيا" عن مساحة تقدر بمئات الدونمات، جزء منها أراض خاصة.

المنطقة الثانية تقع غربي رام الله وهي "المزرعة الغربية" حول البؤرة الاستيطانية "حراشة"، وقد جرى استهداف هذه المنطقة بنفس طريقة الأمر العسكري بهدف خلق "منطقة عازلة" حول المستوطنة يمنع الفلسطينيين من الدخول إليها، وبتقديرنا إن المنطقة المستهدفة في بؤرة "حراشة" مساحتها أكبر من المنطقة المستهدفة في "بيت إستيا"، والمنطقتين هما تطبيقا لفكرة سموتريتش الذي يحمل درجة وزير في وزارة الأمن كمسؤول عن "الإدارة المدنية" حول "المناطق الامنة"، وطريقة إضافية لتوسيع مساحات الاستيطان وتضييق الحيز الفلسطيني على تجمعات تعتمد في معيشتها على الرعي والزراعة.

العنوان الرابع هو في موضوع الاعتداء على الأشجار الفلسطينية حيث سجل بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر اقتلاع 8000 شجرة زيتون.

"عرب 48": كما هو معروف فقد مُنع الفلاحون الفلسطينيون من الوصول إلى كرومهم لقطف الزيتون في هذا الموسم؟

داوود: صحيح، لقد انخفض موسم الزيتون الأخير إلى مستوى متدني نتيجة اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال، وتشير تقديراتنا إلى أن هناك نصف مليون دونم لم يتمكن الفلاحون الفلسطينيون من الوصول إليها وقطفها نتيجة اعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كبير في المنتوج السنوي من الزيتون والزيت، إذ تشير معطيات "مجلس الزيتون الفلسطيني" إلى أن المنتوج السنوي من الزيت انخفض من 32 ألف طن في السنة الفائتة إلى 11 ألف طن فقط، علما أن المعدل السنوي يبلغ 22 ألف طن، ما يعني أن المنتوج لهذه السنة انخفض إلى نصف المعدل السنوي وإلى ثلث منتوج العام الفائت.

ومعلوم أن جيش الاحتلال منع المزارعين من الوصول إلى كل الأراضي الواقعة خلف الجدار والتي تقدر مساحتها بـ270 ألف دونم، حيث قام بإلغاء جميع التصاريح التي كانت ممنوحة لأصحاب الأراضي للوصول إلى أراضيهم.

"عرب 48": سياسة التضييق على الفلسطينيين تنفذ بتناغم بين المستوطنين وجيش الاحتلال الذي يوفر لهم الغطاء والحماية؟

داوود: في الحقيقة هناك تبادل أدوار حقيقي بين المستوطنين وجيش الاحتلال فمثلا "التهجير القسري" هو أصلا مخطط رسمي تم إيكال الدور القذر فيه للمستوطنين الذين يشكلون ذراعا للمؤسسة الاحتلالية ويقومون بدور ميليشيا مستقلة للوهلة الأولى، تستطيع المؤسسة التنصل من عملياتهم متى شاءت ولكنها في كل الأحوال تستفيد منها في تنفيذ هذا المخطط.

"عرب 48": قرار بايدن بفرض عقوبات على أربعة مستوطنين رغم كونه خطوة صغيرة ومحدودة، إلا أنه يمثل ربما نقطة تحول في السياسة الأميركية والغربية على طريق الانتقال من التصريح إلى اتخاذ إجراءات فعلية؟

داوود: أولا الموقف الأوروبي والأميركي هو موقف مهم وغير مسبوق ويمكن المراكمة عليه والاستثمار فيه، ولكن يفترض أن يتم فرض عقوبات على 20 ألف مستوطن متورطين باعتداءات وانتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين في السنوات الأخيرة وليس على أربعة فقط، وكلنا أمل أن تكون هذه نقطة بداية تتبعها إجراءات أوروبية أيضا.

النقطة الثانية في هذا السياق، هي أن الموقف الأوروبي والأميركي يصور ما يحدث في الضفة الغربية وكأنه مشكلة محصورة بين الفلسطينيين والمستوطنين وهناك تجاهل تام للاقتحامات اليومية والاعتقالات والإعدامات الميدانية، التي يقوم بها جيش الاحتلال والتي تصاعدت خلال الحرب على غزة لتتحول إلى حرب حقيقية تمتد على كل مساحة الضفة الغربية.

نحن نعتقد أنه لا يمكن لجم اعتداءات المستوطنين والقوة القائمة بالاحتلال من دون تدخل دولي فاعل يفرض عقوبات ويغير ويعيد إنتاج علاقات القوة بما يتواءم مع القواعد الدولية، ولذلك نرى في قرار بايدن خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح يجب أن يتبعها خطوات أوسع وأشمل.

التعليقات